آخر الاخبار

لتسريع الانسحاب من أفغانستان.. أميركا تُلقي السلاح والعتاد في القمامة

أعدَّت الصحافية جاكلين فلدشر، كبيرة المراسلين المتخصصة في الأمن القومي الأميركي، تقريرا نشرته مجلة “ديفِنس وان”، ألقت فيه الضوء على عملية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وممارسات الإتلاف الشديد والمُتعمَّد لكل العتاد والممتلكات الأميركية هناك، وتبحث الطرق الأخرى الممكنة لتجنُّب هذا الإتلاف.

 

أعرب السيناتور “جو مانشين” عن قلقه من الإسراف في تدمير العتاد الأميركي في أفغانستان، لكن يقول المحللون إن القوات محاصرة بجدول زمني ضيق لم يترك لهم خيارا آخر. وبحسب بيان نشرته القيادة المركزية الأميركية في 11 مايو/أيار، فقد أرسلت القوات أكثر من 1800 قطعة من العتاد إلى وكالة لوجستيات الدفاع من أجل تدميرها، بالإضافة إلى ما نُقِل بالفعل من معدات إلى خارج البلاد عبر أكثر من 100 طائرة شحن من طراز “سي-17”.

 

لكن تدمير المركبات وغيرها من مُعدِّات عسكرية في أفغانستان “أمر غير منطقي” على حد تعبير مانشين، السيناتور الديمقراطي عن ولاية فيرجينيا الغربية، ويُضيف قائلا: “بعد كل ما أنفقناه، وبعد كل ما عانيناه، وبعد كل تلك الدماء التي بذلها الأميركيون هناك، نُدمِّر الآن كل شيء. إننا ندفع الأفغان للتساؤل ’مَن هؤلاء الأميركيون؟ إنهم لا يُقدِّرون أي شيء على الإطلاق‘”. جاءت تصريحات مانشين خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ للنظر في ترشيح “مايكل ماكورد” و”رونالد مولتري” للتعيين في منصبين بالاستخبارات والأمن على التوالي. وقد احتج المرشحان قائلين إنهما يعتقدان بأن مربط الفرس هو تكلفة نقل المعدات القديمة إلى الولايات المتحدة، وإنهما ليسا مُلمين بالتفاصيل نظرا لعدم انضمامهما إلى الوزارة بعد.

أعلن الرئيس جو بايدن في إبريل/نيسان الماضي خروج القوات الأميركية كاملة من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر/أيلول المقبل. وقد اتفق عدد من الخبراء على أن الجدول الزمني المُحدَّد بخمسة أشهر للانسحاب لن يمهل البنتاغون وقتا كافيا لفحص كل قطعة من العتاد بعناية وتقييم ما إذا كان يجب تدميرها أم إعادتها إلى الولايات المتحدة أم منحها للأفغان. ويقول “دانيال ديفيس”، الذي ساعد في الإشراف على تخفيض القوات الأميركية في أفغانستان عام 2011 باعتباره ضابطا حربيا: “عليك أن تتخلَّص من أي شيء لا يتسنَّى لك الوقت لوضعه على متن الطائرة. سيكون الوضع فوضويا، لا مناص من ذلك”.

 

يرى ديفيس أن سبب هذه الفوضى يعود جزئيا إلى خطأ ارتكبه البنتاغون نفسه. فقد وقَّع الرئيس السابق دونالد ترامب اتفاقا مع حركة “طالبان” في فبراير/شباط 2020، وتعهَّد بالخروج من البلاد بحلول مطلع مايو/أيار 2021. بيد أن الإعلان فيما يبدو لم يدفع الجيش إلى الشروع في تحريك العتاد وإخراجه من أفغانستان، كما يقول ديفيس، الذي يُرجِّح وفق خبراته السابقة أن إجلاء العتاد من أفغانستان كان يجب أن يبدأ بعد الاتفاق الأول بثلاثة أو أربعة أشهر. عوضا عن ذلك، واستنادا إلى تقييم الجيش الذي صدر في 11 مايو/أيار ويُفيد بانتهاء عملية الانسحاب بنسبة 6-12% فقط، يقول ديفيس إن ذلك يعني أن جهود الانسحاب لم تبدأ إلا بعد الضوء الأخضر من بايدن في إبريل/نيسان.

 

ويُضيف ديفيس: “من المستحيل تقريبا إنهاء المهمة باحترافية في إطار هذا الجدول الزمني المحدد. حينما أُتيحت أمامنا الفرصة لإنهاء المهمة بالطريقة الصحيحة، لم نقتنصها، والآن لا نملك الوقت لإتمام المهمة. نحن غارقون في الفوضى”. هذا وتردَّد أن مسؤولين في البنتاغون لم يرغبوا في مغادرة أفغانستان، ما دفع بديفيس للقول إنه يعتقد أن القوات أجَّلت أعمال الانسحاب على أمل أن يتخذ بايدن قرارا آخر، ومن ثمَّ لا يضطرون إلى الانسحاب.

يقول أنطوني كوردسمان، المحلل في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، إن الافتقار إلى التوجيه الحاسم من إدارة ترامب لعله تسبَّب في التأجيل بهذا الشكل. فبينما قال ترامب إن القوات ستغادر في مايو/أيار 2021، فإن ذلك الاتفاق مع طالبان كان مشروطا بعملية سلام في أفغانستان لم تتحقَّق أبدا. وأضاف كوردسمان: “لم تكن لدينا عملية سلام، وشكَّل الافتقار إلى التخطيط الواضح والجدول الزمني المحدد مشكلة جوهرية على مستوى البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي”.

 

اقترح مانشين حلًّا لتفادي الإتلاف المُفرِط للعتاد الأميركي: مَنْح العتاد كاملا لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة الذين سيتَّخذون بدورهم القرار بشأن ما يمكنهم فعله بهذه المعدات، وقال مانشين: “إذا سلَّمنا كل شيء إلى أطراف نثق فيها، أو نعتقد أننا نثق فيها، ألا يجب علينا ترك الخيار لهم حينها لاتخاذ هذه القرارات؟”. هذا ولم تُجِب وزارة الدفاع على طلب للتعليق حول طريقة تقييمها للعتاد الذي يجب إعادته إلى أرض الوطن، وما يجب تدميره، وما يجب منحه للشركاء الإقليميين.

 

يقول “ماثيو ترولينغر”، العميد في سلاح البحرية ونائب رئيس هيئة الأركان المشتركة للشؤون السياسية-العسكرية، في جلسة استماع منفصلة في 12 مايو/أيار أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إن البنتاغون يعمل على تقييم المخاطر المحتملة الناتجة عن منح العتاد إلى الحكومة الأفغانية: “بينما نقوم بعملية الانسحاب المنظم، فإننا نفحص بعناية الأشياء التي يمكننا نقلها إلى الحكومة الأفغانية وقوات الأمن والدفاع الوطني في أفغانستان، مما يُمَكِّنهم من استخدامها لتعزيز الأمن في البلاد”. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، خصوصا أن القوات الأميركية اضطرت أحيانا إلى خوض حرب ضد أسلحتها التي وقعت في أيدي طالبان.

يقول “سمير لالواني”، الباحث البارز في مركز “ستيمسون” الأميركي: “لا أعتقد أننا نثق ثقة تامة في الجيش الأفغاني، أو في صفوفه بالكامل على الأقل، فلطالما عرفنا أنه قوة ذات ثغرات. وأضِف إلى ذلك عوامل الفساد أو ترك القوات الأفغانية لمواقعها وعتادها، فالأطراف الذين ربما نلجأ إليهم اليوم باعتبارهم شركاء موثوقين قد يتحالفون مع أطراف خطيرة غدا”. أو كما فسَّرها “مات غايتز”، النائب الأميركي الجمهوري عن ولاية فلوريدا، خلال جلسة الاستماع نفسها في 12 مايو/أيار: “منبع قلقي هو أن الحكومة الأفغانية قد تصبح هي نفسها طالبان في وقت ما عقب انسحابنا”.

 

هناك أيضا مشكلة مُتمثِّلة في منهج الجيش الأفغاني للحفاظ على العتاد الذي سيتسلَّمه بدون مساعدة أميركية. وبحسب تقرير أعدَّه المفتش الأميركي العام المختص بإعادة إعمار أفغانستان وصدر في فبراير/شباط، فإنه بحلول ديسمبر/كانون الأول 2020 أتمَّ الجيش الوطني الأفغاني 20% فقط من متطلبات الصيانة القائمة بالفعل. ويقول كوردسمان إن ذلك ليس مُبشِّرا ولا مُحفِّزا لتحميلهم مسؤولية عتاد ضخم دُفعة واحدة، لا سيما بدون قطع غيار أو دعم فني.

 

في الوقت الراهن، تُدمِّر القوات الأميركية مركباتها وتُحوِّلها إلى خردة معدنية، وتُمزِّق الخيام، وتُدمِّر المولدات الكهربية، إلى الحد الذي أحبط بعض الأفغان وأغضبهم. ويعتقد ديفيس أنه على الجيش إحراز تسوية أفضل بخصوص بعض الأشياء مثل الخيام وأكياس الرمل التي يمكن أن يستخدمها المدنيون المحليون. بيد أن لالواني يُشير إلى أن المسؤولين يضعون في اعتبارهم ما هو أكثر من الاحتياجات التشغيلية فيما يتعلق باتخاذ القرار بإتلاف معدات وترك أخرى. يقول كوردسمان: “إذا آلت هذه الخيام إلى أيدي طالبان، فما التكلفة السياسية التي سيدفعها أي قائد سمح بحدوث هذا الأمر؟ ماذا لو استخدمت طالبان الخيام الأميركية المتمركزة خارج كابُل لصالح هجماتها؟ الرهان الأبسط والأكثر أمانا هو إتلافها جميعا”.

————————————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المزيد من مقالة

المصدر : موقع الجزيرة

مقالات ذات صلة

يسعدنا مشاركتكم معنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى