أخبار افغانستان

فوكوياما وهنتنغتون وعودة طالبان للحكم

كتب الأكاديمي الأميركي ذو الأصول اليابانية فرانسيس فوكوياما عام 1989 مقالا عنوانه “نهاية التاريخ” في مجلة “ناشونال إنترست” قال فيه إن “عصر الاستبداد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى إلى دون رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديمقراطية واقتصادات السوق”.

واعتبر فوكوياما أن المجتمعات الإنسانية وضعت حدا لتطور الأفكار الأيديولوجية بانتشار قيم الليبرالية الديمقراطية، وأن الصراعات التاريخية المتكررة بين الحكام والمحكومين لا يمكن أن تجد لها نهاية واقعية إلا في الديمقراطيات الليبرالية.

وإن انتهاء الحرب الباردة بانتصار الغرب، وهدم سور برلين لتحل محله الليبرالية وقيم الديمقراطية واقتصادات السوق في دول أوروبا الشرقية، أعطى نظرية فوكوياما دفعة قوية وشهرة عالمية.

اعتبرت النظريات السابقة أن المسلمين والمجتمعات الإسلامية شعوبا متأخرة تخلفت عن اللحاق بالديمقراطية الليبرالية. وأعتقد فوكوياما أن كثيرا من المسلمين المقيمين في أوروبا، وخاصة الجيل الثاني منهم، غير قادرين على الإحساس بهويتهم.

وبعد 4 سنوات كتب صمويل هنتنغتون مقالا في مجلة “فورين أفيرز” بعنوان “صراع الحضارات” أثار جدلا كونيا آخر، لأنه لمس وترا حساسا لدى الشعوب المنتمية إلى حضارات العالم المختلفة.

وتناول هنتنغتون مفاهيم الاختلافات الحضارية، وميزان القوى المتغيرة بين الحضارات، وأشار إلى خطورة وقوة ظاهرة العودة إلى المحلية والجذور في المجتمعات الغربية وغير الغربية. وقسم هنتنغتون حضارات العالم بين الصينية واليابانية والهندية والإسلامية والغربية والأرثوذكسية والأفريقية وحضارة أميركا اللاتينية. وطبقا لهنتنغتون، الصدام هو جوهر ما يحكم العلاقة بين تلك الحضارات، وهذا الصدام أساسه الثقافة أو الهوية التي تحكم كل حضارة.

والتقطت حركة المحافظين الجدد أفكار فوكوياما وهنتنغتون للدفع بإستراتيجيتهم التي قوامها ضرورة التأكيد على دور الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة الوحيدة التي لها هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية مطلقة في العالم.

وأضاف المحافظون الجدد ضرورة أن تكون الولايات المتحدة سباقة في توجيه ضربات عسكرية إلى أعدائها وإلى مصادر تهديداتها. واعتقدت تلك المدرسة الفكرية، التي انتشر خبراؤها ومعلقوها في مراكز أبحاث يمينية، مثل “أميركان إنتربرايز” ومعهد “هادسون” ومؤسسة “هيريتيج”، أن واشنطن قادرة على المبادرة بالتعامل مع الدول التي تمثل مصادر تهديد وتغيير نظمها الحاكمة عند الضرورة، وأن تتبنى مبدأ “إعادة بناء الدولة” لتتوافق مع رؤيتهم لـ”الديمقراطية الليبرالية”. وبعد وقوع هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، اعتبر المحافظون الجدد أن الإسلام السياسي والمسلمين هم الخطر الشديد ليس على أميركا فحسب، بل على كل البشرية، وباركت ودفعت لغزو أفغانستان والعراق وضغطوا لتغيير النظام في إيران.

من ناحية أخرى، اعتبرت النظريات السابقة أن المسلمين والمجتمعات الإسلامية شعوبا متأخرة تخلفت عن اللحاق بالديمقراطية الليبرالية. وأعتقد فوكوياما أن كثيرا من المسلمين المقيمين في أوروبا، وخاصة الجيل الثاني منهم، غير قادرين على الإحساس بهويتهم. وألقى فوكوياما باللوم على المجتمعات الأوروبية التي لا تنصهر فيها جميع الأجناس والأعراق في بوتقة واحدة، إضافة إلى أنها تلفظ الغرباء وتأبى أن تحتضنهم في كنف العباءة القومية، وهو ما يمثل خطرا كبيرا على النموذج الديمقراطي الليبرالي. من جانبه، دق هنتنغتون -قبل وفاته عام 2008- ناقوس الخطر من اتجاه التطور السكاني في الولايات المتحدة الذي يُظهر انخفاضا مستمرا في نسبة أعداد سكانها من البيض والمسيحيين البروتستانت. وكتب هنتنغتون كتابا شديد الأهمية عنوانه “من نحن؟ التحديات أمام هوية أميركا الوطنية” حيث هاجم فيه نتائج تبني النخب الغربية والأميركية تحديدا -منذ نهاية الحرب العالمية الثانية- سياسات هجرة سمحت بتغيير تعريف المواطن الأوربي أو الأميركي، وهو ما يمثل تهديدا جوهريا للهوية الأميركية.

قد يهمك ايضاً

وهاجم هنتنغتون الهجرات المكسيكية واللاتينية التي لا تتوقف باتجاه الولايات المتحدة، إذ رأى أن المهاجرين أقل قدرة على الاندماج من المهاجرين القدماء، واعتبر أن الحلم الأميركي ارتبط بنشأة المجتمع الأبيض البروتستانتي فقط، وأن لغة الحلم ينبغي أن تكون الإنجليزية فقط.

لم تنكر نظريات فوكوياما ولا هنتنغتون أن العودة إلى الأصول وإحياء الدين ومنظومة المعتقدات هي ظاهرة عالمية سيئة بالضرورة، لذا فالتوجه إلى الإسلام باعتباره مصدرا للهوية ليس خطيئة في حد ذاته، كما تدعي النخب العربية الحاكمة. الخطيئة تحدث عندما يتم التمييز باسم الإسلام، أو ضد غير المسلمين، وحين لا يتساوى الجميع فى كل الحقوق والواجبات بغض النظر عن ديانتهم أو جنسهم أو عرقهم. وباسم الإسلام يمكن أن تقيم مجتمعا عادلا متعددا ديمقراطيا حديثا، وباسم الإسلام أيضا يمكن التأسيس لمجتمع الظلم والضلال والاستبداد.

وأثرت التطورات الأخيرة، خاصة ما شاهده العالم خلال عام 2012، على مصداقية نظريات فوكوياما وهنتنغتون، خاصة مع تخلى كثير من الديمقراطيات الغربية عن قيمها التي كانت تدعى التمسك بها كمقدسات الديانات السماوية. وفى إطار رده على ما يراها تهديدات ثقافية بالأساس، اختار الناخب الأميركي رئيسا قبل 4 سنوات لا يؤمن بأسس الديمقراطية الليبرالية، وخاصة رفضه نتائج انتخابات حرة خسر فيها، وهو ما يمثل تهديدا كبيرا لمبدأ الانتقال السلس للسلطة مستقبلا.

ولم يمثل استكمال الانسحاب الأميركي بعد 20 عاما من الاحتلال العسكري لأفغانستان، وحالة الفوضى التي شاهدناها في مطار كابل، دليلا كافيا على خطأ تصورات فوكوياما وهنتنغتون.

فهناك نموذج صيني، غير ليبرالي وغير ديمقراطي، به كثير من سمات الاستبداد والدكتاتورية، إلا أنه نجح في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية بنسب غير مسبوقة. وأصبحت الصين توفر نموذجا مغايرا لتصورات منظري الغرب عن حتمية المرور من المسار التقليدي الغربي، وهو ما يمثل هاجسا وتحديا كبيرا لم يتوقعه فوكوياما ولا هنتنغتون.

ومثل يوم السادس من يناير/كانون الثاني الماضي ضربة قوية لكل الأسس التي قامت عليها وعود الليبرالية والديمقراطية الغربية مع اقتحام آلاف من مؤيدي رئيس خسر الانتخابات للكابيتول، من أجل عرقلة انتقال السلطة لرئيس جديد. وحتى اليوم، يؤمن أغلب الجمهوريين أن جو بايدن انتصر ووصل للبيت الأبيض بانتخابات مزورة، وهذا يمثل تهديدا للديمقراطية الأميركية وستظهر الانتخابات القادمة حجمه الحقيقي.

وافت المنية هنتنغتون عام 2008، ولم يعش ليشاهد أهم تطورات عام 2021 من اقتحام الكونغرس إلى عودة طالبان للحكم. أما فوكوياما -من جهته- فعلق من مكتبه في جامعة ستانفورد بكاليفورنيا على انسحاب القوات الأميركية وعودة طالبان للحكم بالقول إن هذا “لا يمثل نهاية العصر الأميركي، فالتحدي لهيمنتها ومكانتها العالمية هو التحدي الداخلي، فالمجتمع الأميركي مستقطب بشدة، وقد وجد صعوبة في التوصل إلى توافق في الآراء بشأن أي شيء تقريبا”.

وأقر فوكوياما، بعد أكثر من 3 عقود على نظريته لنهاية التاريخ، أن الاستقطاب الأميركي الداخلي حول قضايا السياسة التقليدية مثل الضرائب والإجهاض، ومعركة الهوية الثقافية، ومعنى أن تكون أميركيا، هو التهديد الحقيقي للريادة الأميركية ونموذجها الليبرالي الديمقراطي.

المزيد من الكاتب

المصدر : موقع الجزيرة

مقالات ذات صلة

يسعدنا مشاركتكم معنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى