أخبار افغانستان

عودة طالبان بين التهويل والتهوين

بعد عشرين عاما تماما، تعود حركة طالبان إلى المشهد الأفغاني، جالبةً حول عودتها تفسيرات وتأويلات ونظريات كثيرة، بين قادحة ومادحة، فبين قادحة بها وبنصرها، ومهوّنة مما جرى من انسحاب أميركي، قائلة إنه أشبه بمسرحية تسلّم وتسليم، بين “طالبان” والأميركان، وأنه جاء نتيجة توافق واتفاق مسبق على الانسحاب الأميركي وتسلم “طالبان” الحكم، وفقا لدور مرسوم لها القيام به مستقبلا. وفي الطرف المقابل، ثمّة من يرى أن انسحاب أميركا وحلف الناتو من أفغانستان وسيطرة “طالبان” السريعة على البلاد بتلك الطريقة الدراماتيكية، هو انتصار تاريخي واستراتيجي كبير، لا يقل أهميةً وتأثيرا جيوسياسيا عن انتصار المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، والذي كان أحد أهم عوامل انهيار الاتحاد السوفييتي ومن ثم حلف وارسو، وتعزيز مقولة بايدن عن أفغانستان مقبرة للإمبراطوريات.

ولمقاربة هاتين الرؤيتين، بعيدا عن تهوين المنهزمين أو تهويل المنتصرين، فإن قراءة منصفة وموضوعية للمشهد العام الأفغاني قد تساعد على وضع الأمور في نصابها الصحيح، بعيدا عن أي شطط في التفسير وفهم ما جرى، لأن أي تحليلٍ لا يستند إلى حقيقة أن ما جرى في أفغانسان فعل طبيعي جدا وفقا لكل معطيات الفعل نفسه، ومقدّماته ونتائجه التي أفضت إلى هذا الحدث الكبير نتائج وتبعات جيوسياسية، ليس على المشهد الأفغاني الداخلي فحسب، ولكن على المشهد الدولي العام أيضا.

ينطلق فريق المهونين من الحدث الأفغاني وعودة “طالبان” من مسلّمة لديهم لا جدال فيها، أن أميركا هي الإمبراطورية التي لا تقهر ولا تهزم ولا يمكن أن يخطئ القائمون عليها في حساباتهم وتقديراتهم، وأنها القوة المطلقة في عالم اليوم، وهذا توهم وتصوّر يعوزهما الكثير من الدقة والموضوعية، فأميركا في الأخير هي محصلة جهود بشرية، تسري عليها سنن الكون التي لا تحابي أحداً، من الصعود فالتراجع والشيخوخة الخلدونية التي تطرأ على الدول كما تطرأ على البشر.

قول إنّ ما جرى لأميركا هزيمة مدوية هو أقل ما يمكن أن يقال في ظل حالة الارتباك التي تعيشها الإدارة الأميركية

وبالتالي، أن تتصرّف أميركا بهذه الطريقة هو شيء طبيعي جدا، وتصوير ما جرى هزيمة كبيرة وقاسية لأميركا هو ليس افتئات على توصيف ما جرى بما يستحق من التوصيف، بل إن قول إنّ ما جرى لأميركا هزيمة مدوية، هو أقل ما يمكن أن يقال في ظل حالة الارتباك التي تعيشها الإدارة الأميركية، وتصريحات قيادات من الغرب و”الناتو” تقول إن ما جرى في أفغانستان هزيمة وفشل ذريع. ففي تصريح له، يقول الرئيس التشيكي موليس زيمان: “فشل الناتو في أفغانستان، شرعية بقائه على المحك”، ورأى أن على بلاده بناء قدراتها الدفاعية، بدلا عن تبديد أموالها في تحالفات كهذه. وهذا التصريح من رئيس دولة عضو في حلف “الناتو” ليس مجرد وجهة نظر صادرة من معلق أو محلل سياسي هنا أو هناك، وإنما من صانع قرار ضمن المنظومة الغربية كلها وفي قلبها “الناتو”.

ويقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير: “قرار الانسحاب من أفغانستان بهذه الطريقة لم يكن مدفوعا باستراتيجية كبرى، بل مدفوعا بالسياسة وفقا لشعار أحمق عن إنهاء الحروب الأبدية”. وبلير هنا، على الرغم من حرصه على إظهار الأمر سوء تقدير، فإن تصريحه، في المحصلة، يشي بالهزيمة ليس لأميركا وحدها، وإنما للغرب كله، وإن لم يصرح بذلك.

انتصار “طالبان” هو محصلة صراع طويل امتد عقدين، خسرت فيهما الحركة معارك كثيرة، لكنها كسبت في النهاية الحرب الافغانية

الأغرب في فريق المهونين هؤلاء أن أغلبهم ينتمون إلى دائرة الليبراليين والتقدميين العرب وبعض سلفييهم، وينطلقون بهذا الاندفاع متشرّبين تلك الصورة الذهنية التي كرّسها الإعلام الغربي عن “طالبان” طوال العشرين السنة الماضية، مجموعة من المتخلفين والمتوحشين الذين لا يجيدون فعل شيء سوى الإرهاب والقتل من أجل القتل، وهو تصوّر فيه كثير من المبالغات وتعمد التشوية والشيطنة لهذه الجماعة ومجتمعها، متناسين التاريخ النضالي الطويل للشعب الأفغاني، مقارع الإمبراطوريات. والحروب، قطعا، لا تتطلب فقط قوة تسليحية تكنولوجية ومالية فحسب، بل هي في صميمها قوة إرادة ووضوح قضية، وجماعة من المؤمنين بها والمناضلين في سبيل قضيتهم، وهذه من البديهيات السردية التاريخية لقصة الكفاح والنضال لدى كل الشعوب والأمم التي تناضل من أجل نيل حقوقها وكرامتها. و”طالبان” ليست بدعة في هذا السياق، بل هي في مقدمة هذه الحركات نضالا أو جهادا، كما تسمّيه أدبياتها الثقافية والدينية.

أما فريق المهولين أو المبالغين في عودة “طالبان” فيعتبرونها عودة مظفرة، حققت نصرا تاريخيا كبيرا، وأن هذا الانتصار التاريخي سيغير موازين المعادلة الدولية اليوم، كما فعل المجاهدون الأفغان مع الاتحاد السوفييتي سابقا بمساهمتهم في ضرب نظام القطبية الثنائية التي كانت سائدة حينها بين حلفي الناتو ووارسو. صحيحٌ أنّ ثمة وجهة نظر ما، في مثل هذا الطرح، وتشي به كل المؤشّرات في المشهد الراهن، لكن الحديث عن انتصار تاريخي يبقى متروكا للتاريخ نفسه، وحده من سيحكم بذلك، ليبقى السؤال المركزي: هل ستستثمر “طالبان” هذا الانتصار بانتصار سياسي كبير يحصد ثمار كل تلك التضحيات والجهاد الطويل في سبيل تحرير أفغانستان، أم أنها ستُبدّد كل هذا الانتصار، وكل تلك التضحيات في صراعات داخلية تُنسج خططها خارج الحدود، ويتم تطبيقها بالحرف من قبل “طالبان” وخصومها؟ ليس الانتصار الذي حققته “طالبان” اليوم وليد هذه اللحظة، وإنما هو محصلة صراع طويل امتد عقدين، خسرت فيهما “طالبان” معارك كثيرة، لكنها كسبت في النهاية الحرب الافغانية التي راح ضحيتها ما يقارب 341 ألف أفغاني وما يقارب 2442 جندياً أميركياً و448 جندياً بريطانياً، وغيرهم من جنود “الناتو” وأنفقت أميركا فيها أكثر من تريليوني دولار.

قد يهمك ايضاً

تقول المؤّشّرات إنّ “طالبان” اليوم غيرها في الأمس، وفي مقدّمتها تغليب روح الحوار والتشاور مع كلّ الفرقاء

ليبقَ تقييم ما جرى في أفغانستان خارج سياق الصراعات الأيديولوجية الغبية، والتي تنطلق في تقييم النصر والهزيمة من زاوية قرب المنتصر أو المنهزم من هذا الطرف أو ذاك، أو موقفه من توجهاتها. وهنا يذهب كثير من النخب العربية، يسارية وإسلامية، إلى الحديث إن “طالبان” لم تحقق شيئا، وإن ما جرى هو اتفاق مسبق مع الأميركان، وكأنهم أتوا بتفسير فارق للأحداث، وأن محادثات سنوات في الدوحة لم يكونوا يعلمون عنها شيئا؛ تلك المحادثات التي كان عنوانها كيفية خروج الأميركان من أفغانستان.

في كل حال، ما يهمنا من كل هذا اليوم هو سؤال ماذا بعد؟ هل ستنعم أفغانسان بالسلام والازدهار والاستقرار وإخراجها من نفق الحروب الطويلة، ببناء دولةٍ تستوعب كل الأفغان، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم المذهبية والإثنية؟ ليتسنى بعدها الحديث عن الانتصار الحقيقي، الكامن بالذهاب نحو مستقبل السلام والتنمية في هذا البلد الذي مزّقته الحروب، و دفع ضريبتها طويلا من أمنه واستقراره وتنميته، وهذا كله يتوقف على مدى فهم “طالبان” اللعبة الدولية، ومدى استفادتها من دروس التاريخ، وهذا ما يمكن التنبؤ به اليوم، وعلى الرغم من مؤشّرات كثيرة تدعو إلى التفاؤل، لكننا لا نستطيع أن نبني عليها شيئا في غير أوانه.

صحيحٌ أنّ ثمة مؤشرات تقول إنّ حركة طالبان اليوم غيرها في الأمس، في مقدّمتها تغليب روح الحوار والتشاور مع كل الفرقاء الأفغان، وعدم الاحتفاء بالانتصار، ودخول كل المدن والولايات الأفغانية من دون قتال، وفي مقدمتها كابول العاصمة، نتيجة تسليم الجيش والأمن الأفغاني السابق كل شيء لمسلحي “طالبان” وتجنب إدخال البلاد في حرب أهلية طاحنة، لا مهزوم فيها سوى أفغانستان، الشعب والوطن الذي طالت معاناته في حروبٍ لا تنتهي، وآن له أن يرتاح قليلا ويستأنف هذا الشعب العظيم طريقه نحو المستقبل، وكل هذا مرهونٌ اليوم بـ”طالبان” ورؤيتها إلى الدولة الأفغانية المقبلة، دولة الشعب الأفغاني، لا دولة الجماعة الواحدة.

المصدر : وكالة الأناضول

مقالات ذات صلة

يسعدنا مشاركتكم معنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى