تقارير

الصراع القادم على أفغانستان

تقرير " الدكتور محمد فايز فرحات: خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"

بعد مرور ما يقرب من 18 عاما على الحرب على أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وإزاحة نظام طالبان وبناء نظام بديل، فإن تقييما إجماليا للمشروع الأمريكي في أفغانستان، ومراجعة المؤشرات الاقتصادية والأمنية لأداء الدولة الأفغانية، يشير إلى أن هذا “المشروع” يتسم بدرجة كبيرة من الضعف والانكشاف أمنيا، حيث ما زالت حركة طالبان لديها القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، ضد الدولة الأفغانية والقوات الدولية، وتسيطر على نسبة كبيرة من الأراضي الأفغانية، وما زال الجيش الأفغاني يعاني العديد من المشكلات. واقتصاديا، ما زال الاقتصاد الأفغاني اقتصادا ضعيفا، وما زال اقتصاد المخدرات قويا. هذا الواقع المعقد أدى إلى استمرار وقوع أفغانستان ضمن فئة الدول الهشة.

ورغم بدء سلسلة من المباحثات بين حركة طالبان والولايات المتحدة، بدعم من الأمم المتحدة وبعض الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى، إلا أن غموضا كبيرا ما زال يكتنف هذه العملية والمآل النهائي الذي يمكن أن تنتهي إليه، والتي تقوم في جوهرها على التفاوض على “صفقة” الانسحاب الأمريكي من أفغانستان مقابل تعهد طالبان بعدم تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن لتنظيمات السلفية الجهادية أو كمصدر تهديد للأمن الإقليمي والعالمي.

وهكذا، فإننا نصبح أمام حقيقتين أساسيتين؛ الأولى هي استمرار وجود واقع أمني معقد وهش في أفغانستان. الثانية، أن هناك هدفا أمريكيا تعمل عليه الإدارة الأمريكية الحالية بقوة، وهو “الخروج” من أفغانستان، من خلال محاولة الوصول إلى “صفقة” مع طالبان تتضمن الحصول على تعهدات واضحة بعدم الإضرار بالأمن القومي والمصالح الأمريكية.

في ظل هذه الحقائق والأوضاع المعقدة، ظهرت على السطح مشروعات دولية وإقليمية أخرى بشأن أفغانستان، على نحو يمهد لاحتمال تحول الأخيرة إلى جزء من صراع كبير خلال السنوات المقبلة، ويمكن التمييز هنا بين محورين رئيسيين يسعى كل منهما إلى استقطاب أفغانستان إليه، يناقشهما هذا المقال.

محور “الصين- باكستان”

يسعى هذا المحور إلى ضم أفغانستان إليه من خلال مجموعة من الأطر، أبرزها استحداث آلية “الحوار الثلاثي” على مستوى وزراء الخارجية، كآلية تعنى بمناقشة قضايا التنمية والأمن والإرهاب، حيث عُقدت جولتها الأولى في بكين في 26 ديسمبر/كانون الأول عام 2017. لكن الإطار والورقة الأهم التي يمتلكها هذا المحور يتمثلان في محاولة الصين وباكستان دمج أفغانستان في مبادرة الحزام والطريق من خلال إلحاقها بأحد أهم الممرات الاقتصادية ضمن المبادرة، وهو “ممر الصين- باكستان”، والذي يتضمن ربط إقليم شينجيانج (شمال غرب الصين) ببحر العرب والمحيط الهندي عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق البرية داخل باكستان وصولا إلى ميناء جوادر الباكستاني على بحر العرب، وقد عبر عن هذا التوجه وزير الخارجية الصيني، “وانغ يي”، خلال المؤتمر الصحفي المشترك عقب الاجتماع الوزاري الأول للدول الثلاث، والمشار إليه سابقا، عندما قال إن الصين وباكستان ستدرسان توسيع نطاق الممر الاقتصادي بين البلدين ليضم أفغانستان.

وقد أبدت أفغانستان درجة ملحوظة من التعاون مع طرفي هذا المحور، كان أبرز مؤشراتها انضمام أفغانستان إلى “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية” AIIB في 13 أكتوبر/تشرين الأول عام 2017.

وعلى الرغم من ضعف مساهمتها في رأس مال البنك (86.6 مليون دولار، بنسبة قدرها 0.898% من إجمالي رأس المال البنك البالغة 100 بليون دولار)، لكن الانضمام إلى البنك مثل في حد ذاته مؤشر إيجابي على استعداد أفغانستان للاندماج في مبادرة الحزام والطريق ومؤسساتها المالية. تبع ذلك الاندماج في آلية “الحوار الثلاثي”، وتوقيع مذكرة تفاهم مشتركة للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب بين الدول الثلاث، في كابول في منتصف ديسمبر 2018.

وترجع جاذبية هذا المحور بالنسبة لأفغانستان لما يتضمنه ليس فقط ربط أفغانستان بالصين كدولة صاعدة ومهمة داخل النظام العالمي، باتت تمثل ركنا رئيسا في عملية إعادة هيكلة المؤسسية الاقتصادية العالمية (من خلال دورها المركزي في كل من مجموعة العشرين G20، ومجموعة “بريكس” والمؤسسات المالية المرتبطة بها، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية. (أضف إلى ذلك القدرات المالية الضخمة للصين (الشركات الصينية الكبرى، احتياطيات مالية تقدر بأكثر من 3 تريليونات دولار، “صندوق طريق الحرير” SRF، بالإضافة إلى مجموعة البنوك الصينية الحكومية التي اتجهت إلى الاضطلاع بدور تمويلي دولي خارج الصين). لكن الأهم هو ما تتضمنه مبادرة الحزام والطريق من شبكة معقدة من الممرات الاقتصادية والتجارية، وشبكات السكك الحديدية، وطرق نقل الغاز والنفط العابرة للأقاليم، بجانب المؤسسات المالية السابقة الإشارة إليها، الأمر الذي يعني وجود فرص حقيقية لاستفادة أفغانستان من المبادرة بمكوناتها المختلفة.

بهذا المعنى، فإن التحاق أفغانستان بمحور “الصين- باكستان- أفغانستان” ينطوي على مكاسب محتملة كبيرة. فمن ناحية، فإن اندماج أفغانستان ضمن مبادرة الحزام والطريق عبر الممر الاقتصادي “الصين- باكستان” يوفر فرصا لانفتاح أفغانستان على مؤسسات التمويل الدولية الجديدة المرتبطة بالمبادرة، بالإضافة إلى المساعدات والقروض الثنائية المباشرة عبر البنوك الحكومية الصينية.

كما يوفر من ناحية ثانية، فرصة لتطوير البنية الأساسية الأفغانية، خاصة في ضوء الأهمية الكبيرة التي توليها المبادرة للاستثمار في هذا المجال. ويوفر، من ناحية ثالثة ما يعد فرصة لتعميق تكامل الاقتصاد الأفغاني مع الاقتصادات الواقعة على مسار الممر الاقتصادي ومبادرة الحزام والطريق بشكل عام، الأمر الذي سيخلق فرصا كبيرة لنفاذ الصادرات الأفغانية، خاصة الموارد الطبيعية، إلى خارج السوقين التقليديين -الهند وباكستان- اللتين تستوعبان النسبة الأكبر من هذه الصادرات حتى الآن. ويوفر، من ناحية رابعة، فرصة لتعظيم الحضور والنفوذ الصيني داخل أفغانستان، الأمر الذي يخلق مصلحة صينية أكثر وضوحا في الحفاظ على الاستقرار والأمن في أفغانستان.

قد يهمك ايضاً

وتزداد أهمية هذا البعد في حالة إتمام “الصفقة” المحتملة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان دون مشاركة الحكومة الأفغانية، الأمر الذي سيترتب عليه خلل كبير في موازين القوى بين الحكومة والحركة لصالح الأخيرة.

هذه المكاسب المحتملة بالنسبة لأفغانستان تزداد أهميتها بالنظر إلى الحصيلة الفعلية المتواضعة التي حققتها أفغانستان منذ التدخل العسكري الأمريكي في عام 2001 وحتى الآن، على المستويين الأمني والاقتصادي، وفي ظل فشل المشروع الأمريكي بشكل عام في إعادة بناء أفغانستان بعد إزاحة نظام طالبان.

وبالإضافة إلى الأبعاد الاستراتيجية المهمة التي ينطوي عليها ضم أفغانستان إلى الممر الاقتصادي “الصين- باكستان”، فإن محور “الصين- باكستان- أفغانستان” ينطوي على مكاسب اقتصادية للأطراف الثلاث.

بالنسبة للصين، فإن ضم أفغانستان يمثل فرصة مهمة لخلق سوق للاستثمارات الصينية، خاصة في حالة تحسن البيئة الأمنية في أفغانستان، لكن الأهم هو ما تمثله أفغانستان من فرصة مهمة للنفاذ الصيني إلى الموارد المعدنية الأفغانية والتي تقدر بنحو تريليون دولار وفق بعض التقارير، خاصة النحاس.

وكانت الصين قد وقعت في عام 2008 اتفاقا مع الحكومة الأفغانية يقضي بمنحها حق استغلال منجم “ميس آيناك” Mes Aynak، وهو ثاني أكبر منجم للنحاس في العالم، لمدة 30 عاما، مقابل 3 بليونات دولار، لكن البيئة الأمنية في أفغانستان حالت دون تنفيذ الاتفاق، فضلا عما تمثله أفغانستان كمنطقة مرور إلى وسط آسيا.

أضف إلى ذلك أن بناء دولة مستقرة في أفغانستان سيمثل مدخلا مهما لقطع الطريق على نمو التنظيمات الإرهابية في مقاطعة “شينجيانج” غربي الصين، ويفسر ذلك الاهتمام الصيني خلال السنوات الثلاث الأخيرة بقضية استقرار أفغانستان واهتمام الصين بمشروع السلام مع طالبان، فضلا عن التعاون الأمني وتقديم بعض المساعدات العسكرية للحكومة الأفغانية.

بالنسبة لباكستان، فإن بناء دولة مستقرة واقتصاد فاعل في أفغانستان ينطوي على مكاسب عدة، أولها إنهاء مشكلة اللاجئين الأفغان داخل باكستان وإعادتهم إلى بلادهم. ووفق تقديرات أحد المسؤولين الباكستانيين في سنة 2013 فإن استضافة اللاجئين الأفغان كلفوا الاقتصاد الباكستاني أكثر من 200 بليون دولار. من ناحية ثانية، فإن ضم أفغانستان إلى ممر “الصين- باكستان” سيوفر لباكستان فرصة كبيرة لنفاذ الصادرات الباكستانية إلى أسواق وسط آسيا.

وفي مقابل هذه المكاسب الاقتصادية والأمنية المهمة المحتملة لأفغانستان، فإن الالتحاق بهذا المحور لا يخلو من تكاليف سياسية لا يمكن تجاهلها، على رأسها بالطبع أنه يفتح المجال واسعا أمام تنامي النفوذ الباكستاني داخل أفغانستان، وما يرتبط بذلك من استمرار باكستان كجزء من معادلة الاستقرار والتوازنات الداخلية الأفغانية. كما ينطوي من ناحية ثانية على خطر تحميل الاقتصاد الأفغاني عبء القروض الخارجية، وهي مشكلة مثارة بالنسبة للعديد من الاقتصادات الضعيفة والصغيرة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

محور “الهند- إيران”

لا شك أن ضم أفغانستان إلى محور “الصين- باكستان”، سيمثل، من ناحية، فرصة كبيرة لتوسيع حجم النفوذ الصيني في أفغانستان، وفي إقليم جنوبي آسيا بشكل عام. كما سيضمن، من ناحية ثانية، تعميق ارتباط أفغانستان بباكستان، بعيدا عن دائرة النفوذ الهندي. هذه التخوفات دفعت الهند إلى محاولة ربط أفغانستان بها كإحدى دوائر السياسة الخارجية الهندية الأساسية.

وتعتمد الهند في هذا الإطار على عدد من الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية على المستوى الاقتصادي، شملت هذه الأدوات تقديم المساعدات الاقتصادية لأفغانستان، وتوسيع حجم الاستثمارات الهندية. وعلى المستويين السياسي والأمني، سعت الهند إلى تطوير علاقة شراكة مستقرة مع نظام ما بعد طالبان، وهو ما دشنه توقيع اتفاق شراكة بين الجانبين في أكتوبر 2011. كما سعت إلى الحفاظ على علاقاتها مع حليفها الأفغاني التقليدي “تحالف الشمال”، بالإضافة إلى تقديم خدمات التدريب للجيش الأفغاني الجديد، وقد وفرت العلاقات التاريخية للهند مع “تحالف الشمال” فرصة لتطوير علاقاتها مع “الجيش” الأفغاني الجديد بالنظر إلى سيطرة التحالف على عملية بناء الجيش وسيطرته على المناصب القيادية داخل المؤسسة.

والواقع أن تطوير العلاقات مع الهند لقي هو الآخر قبولا واسعا لدى أفغانستان، لما توفره هذه العلاقات -أولا- من فرص لتنويع العلاقات الإقليمية الخارجية لنظام ما بعد الحرب، وما توفره -ثانيا- من فرصة لموازنة النفوذ الباكستاني، فضلا عن المكاسب الاقتصادية المتوقعة. في هذا الإطار، استطاعت شركات هندية بالفعل الحصول على عقود استثمار مهمة في أفغانستان، منها -على سبيل المثال- حصول “هيئة الحديد الهندية” Steel Authority of India Ltd في نوفمبر 2011 على عقد استغلال منجم حديد “هاجيجال” Hajigal في إقليم باميان وسط أفغانستان بقيمة 11 بليون دولار. وفي إطار سعيها لزيادة حجم استثماراتها في أفغانستان عقدت الهند مؤتمرا دوليا حول الاستثمار في أفغانستان في 28 يونيو 2012، شارك فيه نحو 100 رجل أعمال أفغاني بالإضافة إلى أكثر من 200 رجل أعمال هندي.

وبالإضافة إلى الإطار الثنائي، سعت الهند إلى تطوير محور ثلاثي يضم إيران، بالإضافة إلى الهند وأفغانستان، عبر عنه توقيع اتفاق ثلاثي في 23 مايو سنة 2016 بين الدول الثلاث لإنشاء ممر تجاري يسمح للسلع الهندية بالنفاذ إلى أفغانستان ووسط آسيا عبر ميناء تشابهار Chabahar الإيراني ثم إلى آسيا الوسطى عبر أفغانستان.

ومن شأن هذا المشروع تحقيق العديد من المكاسب المشتركة للدول الثلاث؛ إذ يحقق بالنسبة للهند فرصة كبيرة للنفاذ إلى أسواق آسيا الوسطى، ومنها إلى أوروبا، دون المرور بباكستان. كما يدعم، من ناحية أخرى، النفوذ الهندي في أفغانستان وآسيا الوسطى. كما يحقق بالنسبة لإيران وأفغانستان مكاسب اقتصادية كدول مرور للتجارة عبر الإقليمية بين إقليمي جنوب آسيا وآسيا الوسطى، ومنهما إلى أوروبا. وقد ازدادت أهمية أفغانستان في هذا الإطار عقب إنهاء خط سكك حديد يربط مدينة مزار الشريف بشبكات السكك الحديدية الواسعة في أوزبكستان في عام 2010، بطول 76 كيلومترا.

واقع الأمر أن الصراع بين المحورين السابقين على ضم أفغانستان هو جزء من صراع أوسع بين الصين والهند على إقليم جنوب آسيا الذي يمثل جزءا من المجال الحيوي للهند، ومنطقة المحيط الهندي (على خلفية عمليات التحديث التي تشهدها القدرات البحرية الهندية، والدور المهم للهند داخل تجمع دول المحيط الهندي للتعاون الإقليمي IOR-ARC)، وإقليم آسيا الوسطى وما يرتبط بذلك من المنافسة على بناء الممرات التجارية للنفاذ إلى هذا الإقليم -سواء كسوق تجارية أو مصادر للطاقة والموارد الطبيعية- وما سيستتبع ذلك من تغيير متوقع في موازين القوى الإقليمية، وتدشين ما يطرحه البعض حول احتمالات تطور “المباراة الكبرى الجديدة” The New Great Game بين الصين والهند، تمييزا لها عن التنافس البريطاني- الروسي على الهيمنة على أفغانستان والأقاليم المجاورة في وسط وجنوب آسيا، والتي امتدت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، والتي عرفت بالمباراة الكبيرة.

هذه التحولات الكبرى تفرض على النخبة الأفغانية معادلة صعبة تقوم على أهمية الانخراط الإيجابي في هذه المشروعات الدولية، بشكل يعظم العوائد الاقتصادية والاستراتيجية لأفغانستان، ويعظم المصلحة الدولية والإقليمية في تحقيق الاستقرار والتنمية الداخلية، دونما الاضطرار إلى دفع تكاليف سياسية أو تحول البلاد إلى ساحة للصراع الدولي والإقليمي.

التحليل يعبر عن رأي الكاتب..

المصدر: العين الاخبارية

 

مقالات ذات صلة

يسعدنا مشاركتكم معنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى